أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

247

شرح مقامات الحريري

المثاني : أوتار بالعود ، معروفة على سائر أوتاره . بتربة أبويه ، يريد عظامهما التي تصير ترابا في القبر ، ولذلك أقسم بالقبر . [ سيبويه ] وأما سيبويه ففارسيّ ، مولى لبني الحارث بن كعب ، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر ، وتفسير سيبويه بالفارسية ريح التفاح ، وهو لقب له لأنه كان من أطيب الناس رائحة ، وأجلّهم وجها ، وقد أشرنا إلى ذلك في العاشرة . وقيل : معنى « سي » ثلاثون و « بويه » رائحة التفاح ، فكأنّ معناه : الذي ضعف طيب رائحته ثلاثين مرة . وقيل : إن أمه كانت ترقّصه بذلك وهو صغير فلزمته . وولد بالبيضاء ، وهي قرية بشيراز من عمل فارس ونشأ بها ، وقدم البصرة في أوّل أيامه ليكتب الحديث ، فلزم حلقة حماد بن سلمة فاستملى عليه يوما قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عنه ليس أبا الدرداء » فقال سيبويه : ليس أبو الدرداء ، بالرفع ، وظنه اسم ليس ، فقال حمّاد : لحنت يا سيبويه ، ليس هذا حيث ذهبت ، إنما ليس هنا استثناء ، فقال سيبويه : سأطلب علما ليس يلحّنني فيه أحد ، فلزم الخليل ، فبلغ في علم النحو الغاية ، وضرب به في ذلك المثل وهو أوّل من بسط طريقته ، وشرّع شريعته ، وكتابه الإمام في النحو ، الذي لم يصنع قبله ولا بعده مثله ، وغاية لأئمة فهمه . وأخذه الأخفش عنه . وقيل ليونس : ألّف سيبويه كتابا نحوا من ألف ورقة في علم الخليل ، فقال : متى سمع سيبويه هذا كله ! فأتي بكتابه ، فنظر فيه فقال : يجب أن يكون صدق عن الخليل ، كما صدق فيما حكاه عنّي . وناظر الأصمعيّ سيبويه ، فغلبه الأصمعيّ بلسانه فقال يونس : الحقّ مع سيبويه . وكانت في لسانه حبسة ، وقلمه أبلغ من لسانه . قال أبو زيد : كان سيبويه يختلف إليّ وهو غلام له ذؤابتان ، وإذا قال في كتابه : حدّثني من أثق به ، فإنما يعنيني . قال الأخفش : كان سيبويه إذا وضع شيئا من كتابه عرض عليّ وهو يرى أنّي أعلم منه ، وكان أعلم منّي . والأخفش هذا هو سعيد بن مسعدة مولى بني مجاشع ، يكنى أبا الحسن ، وهو الذي أخذ الكتاب عن سيبويه ، وهو أكبر من سيبويه ، وصحب الخليل . وأما الأخفش الكبير شيخ سيبويه فهو عبد الحميد بن عبد المجيد ، يكنى أبا الخطاب وهو الأخفش الكبير ، ويونس هو ابن حبيب ، يكنى أبا عبد الرحمن مولى بني ضبّة ، أخذ النحو عن حماد بن سلمة وعن أبي عمرو بن العلاء ، وقيل : إنه جاوز المائة في سنّه ولما فاق سيبويه في علم النحو أهل عصره ، وبرّز فيه على نظرائه من أهل دهره ، سمع أن الكوفيين ظهروا ببغداد